أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

95

شرح مقامات الحريري

وفي نسب الخضر الختلاف ، منهم من جعله من قابيل بن آدم ، ومنهم من يجعل بينه وبين سام بن نوح خمسة آباء ، ويجعله من ذريّة سام ، وقال عليه الصلاة والسلام : « إنما سمّي خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء ، فإذا هي تهتزّ خضرة » « 1 » . والفروة : الأرض البيضاء ، وقصته مع موسى مشهورة . وقيل إن موسى صاحبه غير موسى بن عمران . وقال موسى للخضر حين فارقه : عظني فقال : لا يراك اللّه حيث نهاك ، ولا يفقدك حيث أمرك ، فكما تذهب بأمل صادق فتخيب ، قد تذهب بأمل كاذب فتصيب ، وتذهب للحقير ، وتدرك الجليل . وقد ذهب موسى ليقتبس نارا ، فكلّمه ربه . وقد تقدّم هذا . قال ابن عبد ربه : مما جبل عليه الحرّ الكريم ، ألّا يقنع من شرف الدنيا والآخرة بشيء مما انبسط له من أمر الدنيا ، بل يكون أمله فيما هو أسنى درجة وأرفع مرتبة ، ولذلك قال عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه وهو عامل بالمدينة لدكين الراجز : إن لي نفسا توّاقة ، فإذا بلغك أني صرت إلى أشرف من منزلتي فأتني . فلما صار خليفة أتاه ، فقال : أنا أعلمتك أن لي نفسا توّاقة ، وأنّ نفسي تاقت إلى أشرف منازل الدنيا منزلة ، فلما بلغتها وجدتها تتوق إلى أشرف منازل الآخرة منزلة . ومن الشاهد لهذا المعنى أنّ موسى عليه السلام لمّا كلمه ربه تكليما سأله ، النظر إليه إذ كان ذلك - لو وصل إليه - أشرف من المنزلة التي نالها ؛ فالحرّ الكريم لا يقنع بمنزلة إلا رجاء أشرف منها قال : ومن قولنا في هذا المعنى : [ البسيط ] والحرّ لا يكتفي أبدا من نيل منزلة * حتى ينال الّتي من دونها العطب يسعى به أمل من دونه أجل * إن كفّه رهب يدعو به رغب لذاك ما سأل موسى ربّه : أرني * أنظر إليك وفي تسآله عجب يبغي التزيّد فيما نال من كرم * وهو النجيّ لديه الوحي والكتب وقال حبيب : [ الطويل ] ذريني وأهوال الزمان أقاسها * فأهواله العظمى تليها رغائبه « 2 » * * * قال : فلمّا أن رأى القاضي تنافي قول الفتى وفعله ، وتحلّيه بما ليس من أهله ، نظر إليه بعين غضبى ، وقال : أتميميّا مرة وقيسيّا أخرى ! أفّ لمن ينقض ما يقول ، ويتلوّن كما تتلوّن الغول . فقال الغلام : والّذي جعلك مفتاحا للحقّ ، وفتّاحا

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 27 ، والترمذي في تفسير سورة 18 ، باب 3 ، وأحمد في المسند 2 / 312 ، 318 . ( 2 ) البيت في ديوان أبي تمام ص 44 .